{بسم الله الرحمان الرحيم }
الحمد لله الذي بيده مقاليد الأمور والصلاة والسلام على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وصحب
ه أجمعين،وبعد:فان الله سبحانه وتعالى قد استخلف الإنسان في هذا الكون وأمره بعبادته سبحانه قال
{{ وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدوا }} وطلب منه التفكير في خلقه سبحانه وفي السماوات والأرض فقال (أنظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر على قوم لايومنون )) وتحقيقا لهذه المطالب وتحمل هذه الأمانة هيأ سبحانه وتعالى هذا العنصر الحي الذي هو الإنسان وأهله بجميع المؤهلات فسخر له الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم قال تعالى (( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره )) وقال أيضا في بيان هذه المؤهلات ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) وأنعم عليه بأجل نعمة وأغلاها فهي بقيمتها رأس مال المسلم في هذه الدنيا ألا وهي الوقت الذي هو مادة الحياة والوقت اخواني أنفس من المال وأغلى . أرايتم لو أن محتضرا وضع أمواله جميعا ليزاد في عمره يوم واحد هل يحصل له ذلك التمديد وذلك الزيادة طبعا لا ولعظم أهمية الوقت فقد أقسم الله سبحانه وتعالى به في آيات كثيرة في كتابه الكريم فقال ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) وقال ( والفجر وليال عشر) وقال ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ومن المعروف لدى جميع المفسرين أن الله سبحانه وتعالى إذا أقسم بشيء من خلقه فذلك ليلفت إنتباه المخلوقات إليه ولينبههم إلى جليل منفعته وآثاره ، وجاءت السنة النبوية أيضا لتؤكد قيمة الوقت وتقدر مسؤولية الإنسان عنه أمام الله عز وجل يوم القيامة فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال ، عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به )) رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح واللفظ له .إذن ففي هذا الحديث بيان للأسئلة الأربعة الأساسية التي توجه إلى المكلف يوم الحساب ونصيب الوقت منها سؤالان رئيسيان يسأل الإنسان عن عمره عامة وعنة شبابه خاصة والسباب جزء من العمر ولكن له قيمة متميزة باعتباره سن الحيوية الدافقة والعزيمة الماضية ومرحلة القوة بين ضعفين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة كما قال تعالى ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بين قوة ضعفا وشيبا ) ولدراسة هذا الموضوع وإعطاءه حقه لنا معه وقفات .
الوقفة الأولى الوقت وخصائصه
الوقفة الثانية حياة المسلم في ظل تضييعه للوقت
الوقفة الثالثة واجب المسلم نحو الوقت
الوقفة الرابعة تنظيم الوقت والاعتبار بمروره
الوقفة الخامسة خلاصة
الوقت وخصائصه للوقت خصائص يجب على الإنسان المسلم أن يدركها حق الإدجراك وذلك لاعتبارات كثيرة منها إنه أنفس وأغلى ما يملكه الإنسان فقد قال (ص) في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي عباس مرفوعا (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) فالوقت يا إخوان
ي ليس من الذهب كما يقال بل هو أغلى من الذهب واللؤلؤ ومن كل جوهر نفيس وحجر كريم فالوقت هو الحياة فما حياة الإنسان إلا الوقت الذي يقضيه من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة أنه لايرجع ولايعود ولايعوض ما مضى منه فكل يوم يمضي وكل ساعة تنقضي وكل لحظة تمر ليس في الإمكان إستعادتها وبالتالي لايمكن تعويضها وهذا ما عبر عنه الحسن البصري بقوله البليغ ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فأني إذا مضيت لاأعود إلى يوم القيامة ويصور أحد الشعراء كيف يمضي العمر وتذهب أيامه ولياليه بلا رجعة ولا أملا في الرجوع فيقولوما المرء إلا راكب ظهر عمره
على سفر يفنيه باليوم وبالشهريبيت ويصحو كل يوم وليــلة بعيدا عن الدنيا قريبا إلى القبر
2 – أنه ينقضي بسرعة ويمر مر السحاب ويجري جري الرياح سواء كان زمن مسرة وفرح أم كان زمن اكتئاب وترح و إن كانت أيام السرور تمر أسرع من أيام الهموم وتسير ببطء وتثاقل فإن ذلك في شعور صاحبها وليست في الحقيقة يقول أحد الشعراء
مرت سنين بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيام
ثم انثنت أيام هجر بــعدها فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
فمهما طال عمر الإنسان في هذه الحياة الدنيا فهو قصير مادام الموت هو نهاية كل حي فعند الموت تنكمش الأعوام والعقود التي عاشها الإنسان حتى كأنها لحظات كالبرق الخاطف ألم ترانا اليوم أسرع ذاهب وأن غدا للناظرين قريب
فتضاؤل الأعمار عند الموت وعند قيام الساعة حقيقة مقررة حيث يتراءى للإنسان قصر مافات وضآلته قال تعالى ( كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم )
حياة المسلم في ظل تضييعه للوقت
إن من رأى حال المسلمين اليوم مع الوقت يكون جواب تعجبه أننا خلقنا لنأكل ونشرب ونلعب ونلهو ونتمتع ونبني الدور والقصور وهذا هو واقع الكثير من أمة الإسلام حينئذ يشترك الإنسان المسلم الذي ميزه الله بالعقل السليم والإسلام مع البهائم والكفار المشركين الذين همهم الوحيد في الحياة هو تغذية البدن من أكل وشرب وتمتع بملاهي الدنيا حلال كان أم حرام قال تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعو
ن ) إن أكثر ما يقتل وقت الإنسان ويمنع عليه الإنتفاع بيومه وحاضره آفتان إذا لم يحذر منها الإنسان وينتبه لخطرهما فسيعود عليه بالخسارة والندم وتمني الرجوع إلى الدنيا يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم.*
الغفلة بحيث يفقد الإنسان الحس الواعي بالأحداث واختلاف الليل والنهار ويفقد الإنتباه إلى معني الأشياء وعواقب وقد حذر منها القرآن أشد التحذير قال تعالى (( وأذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين)) ومن هنا كان دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه اللهم لاتدعنا في غمرة ولاتأخذنا على غرة ولاتجعلنا من الغافلين.* التسويف والتأجيل
فمن حق يوم الإنسان عليه أن يغمره بالنافع من العلم والصالح من العمل لايسوف إلا الغد حتى يفلت منه حاضره فيصبح ماضيا لايعود أبدا فعليه أن يزرع في يومه ليحصد في غده وأن لاندم حيث لاينفع الندمفما لك يوم الحشر سوى الذي تزودته قبل الممات إلى الحشر
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على التفريط في زمن الزرع
*** واجب المسلم نحو الوقت إن واجبات الإنسان المسلم نحو وقته أن يحافظ عليه وأن يحرص على الإستفادة منه فيما ينفعه في دينه ودنياه ويعود عليه بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي قال أحد الحكماء (( من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه )) أنه من أعدى العادات التي أصبحت مألوفة لكثرة ماتدور على الألسنة وتقال في المجالس والأندية عبارات قتل الوقت فترى هؤلاء المبذرين والمبددين يجلسون الساعات الطوال من ليل أو نهار حول مائدة النرد أو ورقة الشطرنج أو لعبة الورق أو غير ذلك مما يحل أو يحرم لايبالون لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة وعن واجبات الدين والدنيا فإذا سالتهم عن عملهم هذا ردوا عليك بعبارة صريحة (( إنما نريد أن نقتل الوقت )) ومايدري هؤلاء المساكين أن من قتل وقته فأنما في الحقيقة قتل نفسه .
ففراغ الوقت نعمة عظيمة ينبغي للإنسان المسلم أن يغتنمه ويستثمره ويعمره بفعل الخيرات بل يجب عليه أن يستبق الخيرات ويسارع إليها قبل أن تشغل عنها الشواغل كما قال تعالى(( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكون يأتي بكم الله جميعا )) وكان النبي صلى اله عليه وسلم يأمر بالمبادرة إلى العمل قبل حلول العوائق والفتن فيقول في الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال حديث حسن (( هل تنتظرون إلاغنا مطغيا أو فقرا منسيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ))
تنظيم الوقت والإعتبار بمروره يجب على الإنسان المؤمن أن ينظم وقته بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أو دنيوية ومما روا
ه النبي (ص) عن صحف إبراهيم ينبغي للعاقل مالم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله عز وجل وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب والحديث رواه ابن حبان واللفظ له ولأحوج الناس إلى تقسيم الوقت وتنظيمه هم المشغولون من الناس من أصحاب المسؤوليات لتزاحم الأعباء عليهم حتى إنهم ليشعروا أن الواجبات أكثر من الأوقات ومن تنظيم الوقت أن يكون فيه جزء للراحة والترويح ولايحسن بالمسلم أن يرهق نفسه بالعمل إرهاقا يضعف من قوته ويحول دون استمرار مسيرته ويحيف على حق نفسه وحق أهله وحق مجتمعه وحق وطنه ولو كان هذا الإرهاق في حق الله تعالى قياما وصياما وتنسكا وزهدا ولهذا قال الرسول (ص) لأناس غلوا في الطاعة والزهد لكني أصوم وأفطرر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني )) رواه البخاري وإذن فسنته (ض) ومنهجه منهج التوسط والإعتدال بين الروحية والمادية والموازنة بين حظ النفس وحق الرب تعالى ومن ثم فلا يرى الإسلام بأسا أن يكون للإنسان جزء من وقته لترويح نفسه بالحلال الطيب من متاع الدنيا وزينتها ولهوها ولعبها فإن النفس تسأم بطول الجد والقلوب تمل كما تمل الأبدان قال علي كرم الله وجهه (( روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا أكره عمي )) فيجب على الإنسان المسلم إن لايتخذ من الساعات والأيام التي تمر زمنا ولى وانقضى ولكن عليه أن يتخذه عبرة لنفسه فإن الليل والنهار يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويطويان الأعمار ويشيبان الصغار ويغنيان الكبار وكما قال الشاعرأشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي
فاختلاف الليل والنهار لايجوز أن يمر بالمؤمن وهو في ذهول عن الإعتبار به والتفكير فيه قال تعالى(( يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ))
خلاصة
إن وقت الإنسان هو عصره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ومادة معيشته الضنكى في العذاب الأليم وهو يمر مر السحاب فما كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك محسوبا من حياته وإلا عاش فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته في الغفلة والسهر والأماني الباطلة وكان خير ماقطعه به النوموالبطالة فموت هذا خير له من حياته ، سأل الفضيل ابن عياض رجلا فقال له كم أتت عليك ؟ قال ستون فقال أنت منذ ستين سنة وأنت تسير إلى ربك توشك أن تبلغ فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون فقال الفضيل أتعرف تفسيره تقول إنا لله وإنا إليه راجعون فمن عرف أنه لله عبد إليه راجع فليعلم أنه موقوف ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جوابا فقال الرجل فما الحيلة ؟ قال يسيرة قال فما هي؟ تحسن فيما بقى يغفر لك مامضى فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي .
و‘ذا كان هذا القول لمن قاربت سنه الستون فللشباب قول الحسن رحمه الله لأصحابه يا معش
ر الشيوخ ماذا ينتظر من الزرع إذا بلغ ؟ قالوا الحصاد قال يامعشر الشباب إن الزرع قد تدركه العاهة قبل أن يبلغ .اللهم وفقنا لما فيه خير الدنيا والآخرة وبارك الله في أعمالنا وأعمارنا وأوقاتنا اللهم اجعل آخر أعمالنا آخرها وخير أعمارنا خواتمها . آمـــيـــــــــن
وختاما نسألكم الدعاء الصالح
أخوكم عدنان تليدي