Q * بسم الله الرحمن الرحيم * Q
الحمد لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤا أحد ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، أمرنا بالتوحد ورص البنيان ، ونهانا عن التفرقة والخذلان ، فقال : ) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ( ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله ، نبي الرحمة ورسول السلام ، دعانا إلى الوحدة وطبقها بين أصحابه عمليا في المجتمع الأول ، وذلك للعمل على تكوين أمة إسلامية تنبذ التشرذم والتمزق والتعصب للقبلية ، وتسعى إلى توحيد الكلمة والإنتصار للجماعة ، والعصبية للحق ، والمجاهدة من أجل إنجاز مشروع الأمة الإسلامية الكبير .
أما بعد .. فيا إخواني ... :
لقد من الله على عباده إذ جعلهم أمة واحدة فيما يقولون وما يفعلون وما يأتون وما يذرون ، فمعبودهم واحد ، وعبادتهم واحدة ، ومنهجهم واحد .. وألف بين قلوبهم ، ونزع منها العداوة والبغضاء وحمية الجاهلية العمياء والتعصب للقبلية النكراء ، وأثبت لهم الأخوة في الإيمان .. وهذا أول ما بدأ به النبي r لما بعثه الله سبحانه وتعالى في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته البينة النافعة ، ويزكيهم من الأدناس والخبائث الضارة ، ويعلمهم الكتاب والحكمة .. فهدى به الناس إلى صراطه المستقيم . فبنى r المجتمع الإسلامي على أساس التوحد والإتحاد ، لأنه بهذا الأساس تكون أمة الإسلام أمة واحدة تمثل أكبر تجمع عقدي وأخلاقي يمثل حرية اختياراته ، ويحمي عقيدته ، ويصون كرامة أفراده ، ويفرض احترامه ، ويجتذب الآخرين نحو منهجه الذي لا تزيغ به الأهواء .
إخواني .. إن تحقيق الوحدة ونبذ التفرقة مقصد شرعي قصدت إليه أحكام الشريعة الإسلامية التي شرعت من أجل تحقيقه وترسيخه في حياة المسلمين ، فالله I يؤكد ذلك بقوله : ) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( ، فهذه الآية تنص على ضرورة الإعتصام والتمسك بالقرءان وبدين الله تعالى وطاعته ، والإلتفات الموحد إلى أحكام الله ، واجتماع المسلمين على وحدة الهدف والغاية من أجل صون الحرمات والبلاد من عدوان المعتدين . ومن تجليات هذا المقصد في التشريع الإسلامي أن الله تعالى يضاعف الأجر لمن سعى إلى صلاة الجماعة مضاعفة كبيرة نعلم منها أهمية الإنضمام إلى الجماعة ، فإذا صلى الإنسان مع الجماعة توحد مع المسلمين في جميع حركاتهم وسكناتهم ، فلا يتقدم على الإمام بتكبير ولا بركوع ولا برفع ولا بسجود ، لقول النبي r : "إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا " ، وبهذا الإنخراط التام مع الجماعة تبدو الجماعة وكأنها جسد واحد يؤدي الصلاة ، فيصير الفرد جزءا مكونا لذلك الجسد الجماعي الكبير الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء ، وقد قيل :
كل جسم إذا اشتكى منه عضو عم ما فيه سائر الأعضاء
أيها الإخوة .. إن الإسلام يكره الخلاف ويبغضه ، لأنه الباعث الأول للتفرقة ، والسبب الرئيسي لتقهقر المسلمين في العالم بعد أن كانوا منذ ألف سنة هم الصدر المقدم ، وهم السيد المرهوب ، وكلمتهم مطاعة بين الأمم شرقا وغربا ، اسمعوا إلى قول الرسول r وهو يوصي الأمة الإسلامية لكي تحافظ على وحدتها واتحادها ، فقال : " لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام "، وقال أيضا : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، فعلام نتباغض ونحن أمة تنبذ التمزق والتعصب ، وعلام يقتل بعضنا بعضا والملك لله الواحد يورثه من يشاء من عباده ، وفيم الخلاف ونحن إخوة بنانا الإسلام على الإتحاد ، فطيننا واحد .. وأبونا واحد .. وديننا واحد .. ولغتنا واحدة .. وربنا واحد ...
إن المسلمين اليوم في محنة قاسية وفي وقت عصيب ، فهل يليق أن تزاد النار ضراما والعاقبة سوءا ، انظروا إلى القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين وهو يتعرض اليوم - ومنذ 1948 م - لمؤامرة صهيونية ، تستهدف تهويده وتهويد ما به من مقدسات ، بيوت إخواننا المسلمين تهدم .. مساجد الله تنتهك .. حرمة دم المسلم لا تعتبر .. ونقول نحن مسلمون !! أين الوحدة والإتحاد اللذان بنانا الإسلام عليهما .. ؟ أين المقومات التي لم تتوفر لأمة سوى أمة الإسلام .. ؟ مقومات تجمع بين شعوب الأمة وأفرادها ، وتنبذ العنصرية الفردية والتعصب للقبلية .. !! إنها فقط في كتب التاريخ الإسلامي .. إننا ومع الأسف أبعد الناس عن اجتماع الكلمة ووحدة الصف والغاية والمنهج ، فلقد أكد علماء الإسلام أن مواجهة هذا التعنت الصهيوني يتطلب وحدة المسلمين والوقوف صفا واحدا في وجه بني صهيون ومن يحالفهم .. فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وفي الإتحاد قوة - كما يقال - ، فلا بد إذن من الإصرار على الحق وعدم التنازل عنه أو التفريط فيه .
إن فرقة الأمة الإسلامية تزيد من قوة العدو ، فاتقوا الله إخواني ، وكونوا يدا واحدة ، وصونوا أوطانكم ودماءكم وأموالكم ، واجعلوها في سبيل الله ، وفي صدور الأعداء .. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الأمة شعوبا وقبائل للتعارف والتعاون على البر والتقوى ، ولكنهم خالفوا أمر الله فتخالفوا وتخاذلوا ..
إن أمة الإسلام قد انقسمت إلى تيارين :
* تيار سياسي : يقضي بفصل الدين عن الدولة .
* تيار دينــــي : يقضي بأن الدولة لا غنى لها عن الدين .
وهذه من قوانين الأعداء ، فالمسلمون سمعوا قول عدوهم الطامع فيهم فأطاعوه ، ونسوا تحذير الله لهم من ذلك : ) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ( ، رجعوا بعد اتحادهم أعداء ، ضعفت بينهم روح الأخوة .. وذهبت النخوة .. وضاع الحق .. واستعان بهم الأعداء على بعضهم .. فسلطوا الأخ على أخيه ، والإبن على أبيه فاشتغلوا بعدائهم عن تعلم دينهم ، فعم الجهل وخيم الضلال ، وصار الدين عبادة في المسجد .. والقرآن مصحفا في خزانة .. والله لم يرد للمسلمين ذلك ، وإنما أراد لهم جامعة تجمع المسلم في المشرق بأخيه المسلم في المغرب ، وتضم المسلم في الشمال إلى أخيه المسلم في الجنوب ، فكل مسلم له على أخيه حق المراقبة .. وحق الإصلاح .. وحق الإحسان .. فلا يتغافل المسلم عن أخيه إذا حلت به كارثة ، ولا يسلمه لعدوه إذا اعتدى عليه ، ويعينه إذا احتاج إليه ، ويصلحه إذا فسد ، ويأمره بالخير إذا غفل عنه ، وينهاه عن المنكر إذا أقدم على فعله ، وبهذا نكون متحدين ، ونكون خير أمة أخرجت للناس ..
يا إخواني .. العدو لا يرحم .. وسياسته لا ضمير لها .. فقد أوجدت هذا التفرق بين المسلمين ، واستبقته إلى يومنا هذا دون مسوغ من عقل ولا باعث من وجدان ، ليجعلوا من هذه الأمة الواحدة أمما متدابرة وشعوبا متناكرة .. ولنا مع هذا الموضوع وقفة أخرى في موضوع : المذهبية المعاصرة وتأثيرها في فرقة الأمة الواحدة .
فاللهم وحد صفوفنا .. وأنر سبيلنا .. ولا تعذبنا بما فعله السفهاء منا .. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وإخوانه وحزبه ... آمين
الطالب عثمان الهرون ويسألكم الدعاء